المقريزي

75

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

إبراهيم المصريّ « 1 » الإخميميّ الزاهد : وكان حكيما وكانت له طريقة يأتيها ، ونحلة يقصدها ، وكان ممن يقرّ على أخبار هذه البرابي وامتحن كثيرا مما صوّر فيها ورسم عليها من الكتابة ، والصور ، قال : رأيت في بعض البرابي كتابا تدبرته فإذا هو : احذر العبيد المعتقين ، والأحداث والجند المتعبدين ، والنبط المستعربين ، ورأيت في بعضها كتابا تدبرته فإذا فيه : يقدّر المقدّر والقضاء يضحك . وفي آخره كتابة تثبتها في ذلك العلوم فوجدتها : تدبر بالنجوم ولست تدري * ورب النجم يفعل ما يريد قال : وكانت هذه الأمة التي اتخذت هذه البرابي لهجة بالنظر في أحكام النجوم من المواظبين على معرفة أسرار الطبيعة ، وكان عندها مما دلت عليه أحكام النجوم : أنّ طوفانا سيكون في الأرض ، ولم يقطع على ذلك الطوفان ما هو ؟ أنار تأتي على الأرض فتحرق ما عليها ؟ أو ماء يغرقها ، أو سيف يبيد أهلها ، فخافت دثور العلوم ، وفناءها بفناء أهلها ، فاتخذت هذه البرابي ورسمت فيها علومها من الصور والتماثيل والكتابة ، وجعلت بنيانها نوعين طينا وحجارة وفرزت ما بني بالطين مما بني بالحجارة ، وقالت : إن كان هذا الطوفان نارا استحجر ما بني بالطين ، وإن كان الطوفان الوارد ماء أذهب ما بنينا بالطين ، ويبقى ما بني بالحجارة ، وإن كان الطوفان سيفا بقي كل من النوعين مما هو من الطين وما هو من الحجر . وهذا ما قيل ، واللّه أعلم . إنه كان قبل الطوفان ، وإنّ الطوفان الذي كانوا يرقبونه ولم يعينوه أنار هو أم ماء أم سيف . كان سيفا أتى على جميع أهل مصر من أمّة غشيتها ، وملك نزل عليها فأباد أهلها . ومنهم من رأى أن ذلك الطوفان كان وباء عمّ أهلها . ومصداق ذلك ما يوجد ببلاد تنيس من التلال المتقذرة من الناس من صغير وكبير ، وذكر وأنثى ، كالجبال العظام ، وهي المعروفة ببلاد تنيس من أرض مصر بذات الكوم ، وما يوجد ببلاد مصر ، وصعيدها من الناس المنكسين بعضهم على بعض في الكهوف والغيران والنواويس ، ومواضع كثيرة من الأرض لا يدرى من أي الأمم هم ، فلا النصارى تخبر عنهم أنهم من أسلافهم ، ولا اليهود تقول إنهم من أوائلهم ولا المسلمون يدرون من هؤلاء ، ولا تاريخ ينبئ عن حالهم ، وعليهم أثوابهم وكثيرا ما يوجد في تلك البرابي والجبال من حليتهم . والبرابي ببلاد مصر بنيان قاتم عجيب كالبربا التي بأخميم والتي بسمنود وغير ذلك .

--> ( 1 ) هو ثوبان بن إبراهيم الإخميمي المصري أبو الفياض أحد الزهاد العباد المشهورين اتهم بالزندقة من قبل المتوكل العباسي كانت له فصاحة وحكمة وشعر . توفي بالجيزة بمصر سنة 245 ه . الأعلام ج 2 / 102 .